السبت، 1 سبتمبر 2018

حوار حصري مع المسيحي الأخ رشيد (مسلم مغربي سابقا)


حاوره محمد لودين/ مجلة أقليات -العدد الخامس

1-    علمنا مؤخرا أن والدك قد توفي... كيف كان شعورك و أنت لا تستطيع حضور مراسيم دفنه في المغرب، لأنك ممنوع من دخول وطنك ليس لشيء فقط لأنك لم تعد مسلما ؟
نعم توفي والدي، وكنت في حزن مزدوج، حزن بسبب فقدان الوالد وحزن بسبب عدم قدرتي على المشاركة في عزائه، لحظات الموت والفراق هي أكثر الأوقات التي تحتاج أن تكون فيها مع أقرب المقربين منك، ومع ذلك لم أستطع ذلك، لا لشيء إلا لأني تركت الإسلام واعتنقت المسيحية وأنتقد الإسلام على وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، وكل هذه الأمور هي من أبسط حقوق الإنسان، لأنها تدخل في إطار حرية العقيدة وحرية التعبير.
2-    هلا حكيت لقراء مجلة "أقليات" حيثيات إيمانك بالديانة المسيحية ؟
أفضل أن أقول إيماني بالمسيح على أن أقول إيماني بالديانة المسيحية، لأن الذي جذبني هو شخصية المسيح الفريدة. كان ذلك عن طريق الراديو. في الثمانينات كنت ذات ليلة أنصت للراديو لإذاعة حول العالم وسمعت برنامجا عن حياة المسيح، طبعا حياته كما جاءت في الإنجيل، كان كل شيء يقوله المذيع مختلفا عما تعلمته من والدي الفقيه ومن القرآن عن المسيح، فبدأت رحلة المراسلة مع هذه الإذاعة، أحاججهم وأحاول أن أقنعهم أنهم على خطأ وأن ما يقولونه مجرد شرك بالله ولا معنى له، لكن بعد مقارنتي لعدة مواضيع بين الإسلام والمسيحية وجدت أن الأرضية التي أرتكز عليها ليست صلبة كما كنت أعتقد وأن الإنجيل يحتوي على القصة الأقرب إلى ما حصل مع المسيح، والأقرب إلى تعاليمه، الأقرب زمنيا وجغرافيا، فما كان مني إلا أن قبلت هذه الحقيقة التي كانت صادمة لي قبل أن تكون صادمة لعائلتي ومجتمعي، قبلت ما توصلت إليه بالبحث. فصرت مسيحيا.
3-    كيف كانت ردة فعل أهلك و عائلتك بعد علمهم بديانتك الجديدة ؟
طبعا في البداية حاولت أن أخفي ذلك عن عائلتي، لكن شاءت الظروف أن علمت والدتي وعلم المقربون مني بالأمر، خصوصا بعدما صار لدي أصدقاء مسيحيون وبدأت علامات تأثري بالمسيحية واضحة. طردت من بيوت أفراد كثيرين من عائلتي، كنت أنتقل من بيت لبيت إلى أن أنتهى بي الأمر إلى أن طردت من الجميع، الكثيرون من أقربائي تبرؤوا مني ولم يعودوا يتقبلون كوني مسيحيا، والدي ووالدتي كانوا أشد المتأثرين، فالمجتمع والأقارب والمعارف لم يرحموهم، أبي كونه فقيها في المسجد صار بعض رواد مسجده يعيرونه بي، ويستخدمون اعتناقي للمسيحية ضده، كانت ظروفا صعبة، عشتها أنا وعائلتي، لكن الحمد لله، بمساعدة بعض الأصدقاء وبإصراري على محبة أهلي رغم كل شيء، عادت بعض المياه إلى مجاريها، على الأقل مع أقرب المقربين، لكن الكثيرين من عائلتي الممتدة لازالوا ضدي إلى الآن وضد ما أقوم به من برامج على التلفزيون.
4-    في أي ظروف، قرر الأخ رشيد مغادرة المغرب ؟ وهل لديك رغبة للاستقرار مجددا في وطنك الأم ؟
لقد قررت مغادرة المغرب بعد أن ضاقت بي كل سبل العيش بحرية وسلام مع الحفاظ على إيماني المسيحي، إمام المسجد القريب من منزلي خطب في أحد الجُمَع عني بطريقة غير مباشرة، قال أن المرتدين يسكنون في نفس هذا الحي وكأنه كان يحرض ضدي ليتخلص مني. المخابرات المغربية استدعتني من منزلي ومن عملي مرات عديدة، الشرطة أخذتني للإستنطاق مرات كثيرة، توصلت بتهديد مباشر من الشرطة ومن العمالة، وكذلك من المخابرات، كنت متابعا، كانت هناك مراقبة على منزلي ومراقبة أحيانا حتى على تحركاتي، حتى هاتفي أدركت في ما بعد أنه كان مراقبا خصوصا لما أطلعني بعض أفراد المخابرات على بعض المكالمات التي أجريتها، صرت أتوقع في كل يوم أني سأعتقل بتهمة ملفقة أو بشيء لا أتوقعه، صارت حياتي وحياة زوجتي جحيما لا يطاق، يأتي أشخاص بأسماء مستعارة يسألون عني في غيابي في البيت، لا تعرف زوجتي هل هم شرطة أم متطرفون، لم نعد نثق في أي شخص. لما كانت زوجتي حاملا ورأيت أن ابني سيولد في هذه الظروف، ورأيت أن حياتي في خطر، ولم نعد نعيش بأمن وأمان لا لشي إلا لأننا مسيحيون ونقوم بأنشطة مسيحية، قررنا أن نترك البلد دون تفكير في الرجوع على الأقل في الأمد القصير. أردنا لأولادنا مستقبلا أفضل، مستقبلا يكونون فيه أحرارا يختارون ما يشاؤون ويعبرون عن ذلك كيفما شاؤوا دون أن يدفعوا ثمن ذلك من حياتهم. سأفكر في الرجوع للمغرب حين يقر المغرب حرية العقيدة لأبنائه.
5-    بعد كل ما واجهته من رفض و قمع، هل ستترك لأبنائك  حرية اختيار معتقدهم دون أن تؤثر عليهم ؟
بالطبع، الحرية عندي شيء مقدس، أعرفه عن قرب، لا يمكن أن أجبر أبنائي على اتباع معتقدي، لقد قلت لابني أنا أعلمك أفضل ما عندي، وحين تكبر لك كل الحرية في أن تختار ما تشاء، وأخبرته قصتي من الألف إلى الياء، وقلت له بالحرف، الحرية كنز لا تفرط فيه أبدا. طبعا أنا أؤثر عليهم كوني والدهم، لا يوجد شيء يفلت من تأثير الوالدين، لكن العيب هو أن نكره أبناءنا أو نغضب منهم إن اختاروا لأنفسهم ما يرونه حقا.
6-    بالنسبة لبرنامجك الشهير "سؤال جريء" الذي تقدمه على قناة "الحياة التبشيرية"، الكثير يعاتبك خاصة المسلمين منهم بأنك تتحدث و تنتقد الإسلام عوض الحديث عن المسيحية و قيمها، ما ردك؟
أولا نقد الأديان يدخل في نطاق حرية العقيدة وحرية التعبير، وبالتالي فهو حق من حقوق الإنسان، لا يبنغي أن نعاتب الناس على ممارسة حقوقهم. ثانيا: عندما كان أحمد ديدات ينتقد المسيحية ولا يفعل شيئا آخر غير انتقاد المسيحية، كانت الدول الإسلامية وأغلبية المسلمين فرحون بما يقوم به، بل ونشرت كتبه في كل الدول الإسلامية بما فيها المغرب، هل سمعنا عن أي مسلم اعترض وقال له: عليك أن تهتم فقط بنشر الإسلام وقيمه ودع عنك انتقاد المسيحية؟ طبعا لا، لماذا؟ لأن الأمر في مصلحة الإسلام حينها، فحين يكون الأمر في مصلحة الإسلام نكيل بمكيال، وحين يكون الأمر ليس في مصلحته نكيل بآخر. ثالثا: من حق أي إنسان التخصص في شيء معين، فهناك من يتخصص في دين معين أو في موضوع معين، وأنا أحمل شهادة جامعية في دراسة الأديان، وبالتالي فليس من العيب أن أتخصص في نقد الإسلام. فوق كل هذا أنا أتحدث في أمور مسيحية كثيرة، فقد حاورت أساتذة مختصين في المسيحية، وقدمت أجوبتهم حول الكتاب المقدس وحول تعاليمه مرات كثيرة، المواضيع الإسلامية تغلب على المواضيع المسيحية فقط لأن جمهوري من المسلمين تعود أن يطرح أسئلة حول المسيحية ولم يتعود على تقبل الأسئلة تجاه عقيدته.
7-    باعتبارك تشتغل في قناة تبشيرية، هل تملكون احصائيات أو أرقام تقريبية عن عدد مسيحيي المغرب ؟
لا يوجد لدى أي مؤسسة وسيلة علمية لإحصاء المسيحيين المغاربة، خصوصا وأن الكثيرين منهم يلتزمون الصمت والسرية خوفا على حياتهم وعلى وضعهم الاجتماعي، كم مرة نكتشف عائلات كانت مسيحية منذ مدة طويلة ولا أحد يعلم عنها شيئا، لا يمكن أن نعرف أن الشخص مسيحي إلا إذا اتصل بنا وقال ذلك. تصلني الآلاف من الإيميلات من المغرب، عدد المعجبين بالبرنامج من المغرب عشرات الآلاف خصوصا على موقعي على الفايسبوك، كل هذا يوحي بأن أعداد المسيحيين في المغرب لا يستهان بها. أنا أقدرها بعشرات الآلاف لكن لا يمكنني الجزم برقم معين.
8-    ما رأيك في إعلان مراكش الأخير حول الأقليات الدينية ؟
لقد قمت بحلقة كاملة عن الموضوع على برنامج سؤال جريء، الحلقة كانت تحت عنوان "المغاربة المسيحيون وإعلان مراكش"، المشكلة في الموضوع أن الإعلان هو مجرد دعاية لا أقل ولا أكثر، وليس محاولة جادة لإيجاد حلول عملية ونقاش واقعي، لم يناقش المجتمعون وضعية التاركين للإسلام والمعتنقين لأديان أخرى مثل حالتنا نحن المسيحيون من خلفية إسلامية، فكل الدول العربية متفقة على القانون الجزائي العربي الموحد الموجود على موقع جامعة الدول العربية، والذي يقول في المادة 163: "يعاقب المرتد بالإعدام إذا ثبت تعمده وأصر بعد استثابته وإمهاله ثلاثة أيام" فكيف بدول تقوم بصياغة هذا القانون أن تتحدث عن حقوق الأقليات الدينية؟ هم يتحدثون فقط عن الأجانب من الأديان الأخرى المقيمين داخل هذه البلدان، أو اليهود المغاربة، أما البقية فلا يعترفون بهم، فنحن في المغرب لا تعترف الدولة حتى بوجودنا، فأنا في نظر المغرب لازلت مسلما، ولو ذهب أي مسيحي ليختار لابنه اسما مسيحيا لتم رفضه، لأنه يعتبر مسلما في نظر الدولة. إعلان مراكش يعتمد على صحيفة المدينة، وصحيفة المدينة صحيفة تمييزية، تقول بأنه لا يُقتل مسلم بكافر، يعني يمكن للمسلم أن يقتل كافرا ولا يتم قتله. فكيف تكون صحيفة المدينة أساسا للتعامل مع الأقليات الدينية وهي أصلا تقسم الناس إلى مسلمين وكفارا وتعتبر دماء المسلمين أغلى وأثمن من دماء الكفار؟
9-    ربما لا يخفى عليك وضع الأقليات الجنسية في المغرب وما يتعرضون إليه من اضطهاد و تهديد بالقتل... ما رأيك الشخصي في هذا الموضوع وما حكم المسيحية أيضا فيما يخص المثليين و المتحولين جنسيا ... ؟
المسيحية لا توافق على المثلية الجنسية لمعتنقيها، لكن لا تعاقبها وتترك للناس الآخرين الحرية في أن يختاروا ما شاؤوا، فالمسيحي منهي عن ممارسة المثلية، لكنه ليس مأمورا بأن يدين الآخرين أو يعتدي عليهم أو يحاكمهم إن كانوا مثليين، بإمكان إنسان مثلي أن يدخل الكنيسة ويتعبد لله وليس من حق أي شخص أن يطرده حتى لو علم بأنه مثلي، لأن الكنيسة بيت لله، يدخله الجميع ويصلي فيه الجميع وليس من حق أي شخص أن يطرد أي شخص بناء فقط على خياراته الجنسية. طبعا أنا ضد قتل المثليين أو الاعتداء عليهم أو اضطهادهم بسبب خياراتهم الجنسية.
من الواجب أيضا أن أقول أن العلم والطب هو الذي ينبغي أن يحسم في مسألة المثلية الاختيارية والمثلية الناتجة عن الجينات والتركيب الفسيولوجي لبعض الأفراد. لأن الأمر ليس بالسهولة التي يتخيلها رجال الدين.
كلمة حرة و أخيرة في هذا اللقاء ؟
أشكر مجلة أقليات على هذا الحوار وعلى جرأتكم في طرح مواضيعكم، وأقول لكل المغاربة علينا أن نتعلم احترام الأقليات، فلا تقدم إلا باحترام حريات الناس، والحرية شيء مقدس علينا أن ندافع عنه دائما، وإلا فإن من يفرط في حرية الآخرين سيأتي يوم يفقد فيه هو أيضا حريته.


المشاركة

0 commentaires: