الاثنين، 7 نوفمبر 2016

بعد محاولة اغتياله محمد سعيد يكتب: هل تتسامح السلطات مع معتنقي الديانة المسيحية المغاربة ؟

أرشيف

محمد سعيد - مجلة أقليات 

تهديدات..مراقبة مستمرة..و في بعض الأحيان إعتقالات تعسفية..هذا هو "واقع" المسيحيين المغاربة في بلد يقال أنه يحترم الديانة المسيحية،لكنه يدين بشدة من يخرج من ملة الإسلام..إن حرية العبادة التي تحدث عنها وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية أحمد توفيق بالبرلمان يوم الإثنين (6 أبريل 2013)،لا وجود لها مادام المسيحيون المغاربة يعقدون إجتماعاتهم في البيوت أو بعض الأماكن الخاصة لذلك،و يُجبَرون على ممارسة شعائرهم بأسماء مجهولة خوفا من العقوبات التي تشنها السلطات على كل شخص خرج عن دين الإسلام..فالكنيسة لا تزال متابعة من طرف السلطات في جميع أنحاء المغرب مما زاد الوضعية سوءا..فالدولة المغربية كونت شبكة إتصالات من أجل الحصول على معلومات تتعلق بالمسيحيين في جميع أرجاء المغرب،و ليس فقط في مناطق محددة،و ذلك بهدف واحد هو تخويفهم و إسكاتهم حتى و لو وصل الأمر إلى تهديدهم بالسجن (متابعة لجريدة هسيسبريس الإلكترونية = الخميس 6 يونيو 2013).
فوجود المسيحيين المغاربة محاط بسياج كثيف من الصمت،فهم يعتنقون الرسالة التبشيرية المسيحية في بلد تؤكد كل أرقامه و خطاباته الرسمية أن دينه الرسمي هو الإسلام منذ دستور "موريس دوفيرجي" (7 ديسمبر 1962) و دستور الفاتح من يوليوز (2011)،و يعترف خطابه الرسمي فقط بوجود الأقلية يهودية التي إستوطنت المغرب (طنجستا) منذ القرن (10 ق.م) بالرغم من وجود مسيحيين مغاربة على أراضيه،يكفل وجودهم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،المادة (18) التي صادق عليها المغرب،إلا أن المسيحيون المغاربة في نظر الأطياف الإسلامية المحافظة هم مرتدون عن الإسلام،و يجوز في حقهم حد الردة،كما أن المادة (220) من قانون العقوبات الجنائية يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات كل من يستعمل وسائل إغراء لزعزعة عقيدة مسلم و تحويله إلى دين أخر - فهل في الحقيقة يزعزع شخصاً ما عن معتقد معين ؟ أم يقتنع و يؤمن به ؟ يواظب هؤلاء المسيحيون المغاربة على إقامة طقوسهم اللتورجية (القداس) بأماكن إقامتهم لأن المغرب لا يعترف بوجود كنيسة مغربية على أراضيه كما يقول الكاتب و الصحفي عبد الحميد العوني،و يحمل هؤلاء المسيحيون أسماء،مثل محمد و عبد الله و فاطمة و نجاة..فالمسيحيون المغاربة على ما يقوله الإعلام عنهم في السابق (قبل سنة 2010) هم من طبقات مختلفة،فمنهم الموظفون و الأساتذة الجامعيون و المهندسون،و منهم أيضاً الأطباء و المحامون و المثقفون و الباحثون الأكاديميون..و أيضاً منهم فنانون و ربات بيوت و الطلبة و الشبان العاطلون عن العمل كباقي الأسر المغربية.
إن هؤلاء المسيحيون المغاربة يعيشون بين رفض المجتمع لهم و قبوله،و ما بين التعتيم الإعلامي الذي يحولهم إلى مجرد أشباح،إلا أن البعض منهم مصر على الإعتراف بهم بداخل وطنهم و ليس من خارجه،و قد أصدر المجلس العلمي الأعلى فتوى بقتل المرتد،مما يبين عدم تسامح السلطات المغربية مع "حرية الإعتقاد"،فالكتاب المتضمن للفتوى المثيرة للجدل الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى (هيئة دستورية) و التي تجيز قتل أي مغربي مسلم إرتد عن دين الإسلام،و وفقا لما ورد في الصفحة 285 من الكتاب الذي يحمل عنوان "فتاوى الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء 2004 - 2012"،فإن "الفتوى" موضوع الجدل جاءت إستجابة لطلب من وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية بعد توصلها بطلب من المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان حول موقف الإسلام من "حرية العقيدة"،و ذلك في إطار تحضير التقرير الدوري السادس لإعمال العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية،و حسب مصدر مأذون من المجلس العلمي الأعلى،فإن الأمر لا يتعلق بفتوى و إنما برأي فقهي. - و فيما يلي نسرد الرأي الفقهي : "حرية المعتقد و الدين،هذه المسألة تناولها الشرع الإسلامي و أبان حكمه الشرعي فيها و فصل فيها بالنظر لمن يكون معنيا بها من المسلمين و غير المسلمين،فبالنسبة لغير المسلمين من أهل الكتاب و الديانات السماوية الأخرى،لم يأت الإسلام بما يكره أحدا منهم على الخروج من دينه أو يجبره عليه بالقوة و لا بما يسيء إلى أماكن طقوسهم من الكنائس و البيع و غيرها،و ذلك ما تشير إليه الأية الكريمة (256) من سورة البقرة "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" و الأية (99) من سورة يونس "و لو شاء ربك لأمن في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"،و بذلك كفل الإسلام لغير المسلمين حرية المعتقد و الدين حال وجودهم بغير بلادهم من أرض الإسلام شريطة ألا يمسوا شيئاً من مقدسات المسلمين،و أن لا يجاهروا بما هو محرم في شريعة الإسلام و لا يحرضو مسلما على الخروج من دينه،و أن لا يثيروا في المسلمين فتنة،أما بالنسبة للمسلمين في شأن حرية المعتقد و الدين،فإن شرع الإسلام ينظر إليها بنظر أخر (ما هو النظر الأخر ؟)،و يدعوا المُسلم إلى الحفاظ على معتقده و دينه و تدينه و إلى التمسك بدينه الإسلامي و شرعه الرباني الحكيم،و يعتبر كونه مُسلما بالأصالة من حيث إنتسابه إلى والدين مسلمين أو أب مسلم إلتزاما تعاقديا و إجتماعيا مع الأمة،فلا يسمح له شرع الإسلام بعد ذلك بالخروج عن دينه و تعاقده الإجتماعي و لا يقبله منه بحال،و يعتبر خروجه منه إرتدادا عن الإسلام"،هذا ما قالته الفتوى الفقهية الشاذة للمجلس العلمي الأعلى. 
لا شك أن الحرية أصل التأنسن،فإعتناق دين بالجبر و القوة لا يورث و لا يولد إلا نفاقا،لكن ثمة إشكال قديم حديث نوعا ما في الفقه الإسلامي يضعنا أمام حلقة معقدة من النقاش،فإذا كانت الحرية و الإختيار هي الطريق لإعتناق الدين - فما أصل تحريم الخروج منه ؟ ثم ما هي طروحات "المُعَترضين" للردة ؟ و إذا كانت الأية "لا إكراه في الدين" كيف يجوز الإكراه على البقاء فيه ؟ من الذي يحتاج فعلاً لبقاء الإنسان في دين ما،إله هذا الدين أم السلطان ؟ أسوق في هذا الخصوص نصا تاريخيا يختصر و يوضًح العلاقة بين إستعمال فهم خاص للدين و تكريس الولاء الدائم للسلطان،ففي سنة (1844) وجه اللورد "سترانفورد" نقدا لاذعا لمسألة تطبيق قانون الردة الذي يقضي بعقوبة الإعدام في حق كل مسلم إرتدً عن الإسلام،و في ذلك يقول للوزير العثماني رفاعة باشا :"إنكم إذا أردتم البقاء في أوربا فذلك مشروط بوقف إراقة الدم لسبب ديني"،فرد الوزير قائلاً :"في السياسة سنكون دائما في اختلاف مع نصائح أوربا،لكن في ما يخص الدين سنكون محتاجين للحفاظ على استقلاليتنا،فالدين قاعدة قانونية و مبدأ حكمنا،كما أن السلطان لن يكون أكثر حرجا منَا،إننا نريد و نقدر أن نعدكم سراًَ بأننا سنعمل على منع الأفعال التي تمسً معتقداتكم،لكن طلبكم لنا بإستصدار مشروع قانون يوقف نظريا أحد ركائز قوانيننا،فهو ضرب في عمق سلطتنا و هدم لشعور الطاعة لدى رعايانا و إثارة لعدم الإستقرار في الإمبراطورية.." - فمن هنا يتضح المزج الصًارخ بين مفهوم الطاعة و الدين،بحيث تتم شرْعنة السلطة السياسية عن طريق إراقة الدم بإسم الدين،فعادة ما يورد الفقهاء و رجال التشريع الإسلامي واقعة محاربة أبي بكر للمُمتنعين عن الزكاة،أو وقائع أخرى للتًدليل على شرعية هذا "الحد"،و في ذلك يوردون الحديث الأحاد الذي يقضي بقتل المرتد بعد استتابته،و في هذا الشأن يسلم رشيد رضا (تلميذ الكواكبي) بصحًة هذا الحديث،لكن كما يقول :"لا يمكن الأخد به في العقوبات" و ذهب نفس المذهب كثير من الشيوخ و المفكرين على رأسهم الراحل جمال البنا و المصنَفين في سلك ما يسمى ب"القرأنيين" مثل أحمد صبحي منصور الذي كتب كتاب رائعا بعنوان "حدًَ الردةً" مفنذا فيه قتل من غير دينه الموروث بالجغرافيا و الوسط الإجتماعي.
إن مشكلة الفقه الإسلامي - بكل حياد و موضوعية - أنه لازال يستمد "قدسيته" في بعض العقول من خلال مرجعيته الدينية،أضف إلى ذلك تأسيسه لحلقة متراصًة من الأساليب و الأليات منذ 14 قرنا،بحيث إذا ما أردتً أن تناقش أمرا ما في الدين،يقول لك المُعترض "يجب أن تكون متخصصا" و عليه فالداخل في محاولة فهم هذا الأمر يتصادف مع وجود تفاسير و أراء متعددة،ليتحول بذلك النقاش إلى نظرية الإختلاف و مساحيق،حيث "إن البيان لسحْرا" كما يقولون،لكي لا نصل في النهاية إلى نتيجة،و يبقى الطريق السًهل هو التحريم و التجريم ثم المنع،فالإنسان لا يمنح حقً الحياة لكي يأخذها أو يسلبها منه أحد،و عليه نصًت مجموع المواثيق الكونية في المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوف الإنسان (1948) :"لكل شخص الحق في حرية التفكير و الضمير و الدين،و هذا الحق ينطوي على حرية تغيير الدين أو المعتقد و كذلك حرية إظهار دينه و إبداء معتقده بمفرده أو في جماعة،و سواء أكان ذلك جهاراً أم خفية و ذلك بالتعليم و الممارسات و التعبد و إقامة الشعائر".

المشاركة

0 commentaires: