الأربعاء، 19 أكتوبر 2016

قراءة تحليلية في مقتضيات القانون الدولي بالدستور المغربي

محمد سعيد

محمد سعيد* - مجلة أقليات

دون الرجوع إلى النقاشات النظرية المتعلقة بالعلاقة بين النظام القانوني الداخلي،أساسا الدستور و القانون الدولي،و الذي كتب عنه الشيء الكثير،فإن ما يهمنا هو رصد هذه العلاقة فيما يتعلق ببلادنا.
في هذا السياق لامناص من الإشارة إلى أن دستور (2011)،الذي شكل تقدما ملموسا بالمقارنة مع دستور (1996)،من حيث أنه أقر نوعا من الدينامية ترتكز على ثلاث محاور أساسية :


أ - المحور الأول.يثمتل في توسيع إنخراط البرلمان فيما يخص تملك مقتضيات القانون الدولي الإتفاقي - في هذا الإطار نلاحظ أنه لأول مرة منذ بداية حركة الدسترة المغربية سنة 1962،فقد تم تفكيك الفصل (21) الذي ظل صامدا بشكل إجمالي رغم التغيير الطفيف الذي إعتراه في دستور (1992)،لقد كان هذا الفصل ينص في فقرته الثانية على أن الملك يوقع على المعاهدات و يصادق عليها،غير أنه لا يصادق على المعاهدات التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة إلا بعد الموافقة عليها بالقانون،و هذا يعني أن تبني القانون الإتفاقي برمته كان بين يد الملك،و ربما كان هذا الوضع من الأسباب التي جعلت المساهمة البرلمانية في المجال الإتفاقي الدولي متواضعة،و لم يكن هناك لدى البرلمانيين حماس كبير للإهتمام بهذا الشأن،على خلاف ذلك،وسع دستور (2011) بشكل ملحوظ حجم إنخراط البرلمان في هذا الميدان،فقد عدد المعاهدات التي أصبحت تتطلب الإذن بالمصادقة الضرورية لإدخالها إلى حيز التنفيذ،فحسب الفقرة الثانية من الفصل 55 :"يوقع الملك على المعاهدات و يصادق عليها،غير أنه لا يصادق على معاهدات السلم أو الإتحاد أو التي تهم رسم الحدود،و معاهدات التجارة،أو تلك التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة أو يستلزم تطبيقها أخذ تدابير تشريعية،أو تتعلق بحقوق و حريات المواطنات و المواطنين العامة أو الخاصة إلا بعد الموافقة عليها بقانون" - أكثر من ذلك :"للملك أن يعرض على البرلمان كل معاهدة أو إتفاقية أخرى قبل المصادقة عليها".
من الواضح أن هذا التحديد للمعاهدات التي تتطلب إذن البرلمان ليس إعتباطيا،بل إن جل الإتفاقيات المشار إليها إما تحيل إلى قضايا جوهرية ترتبط بسيادة و إستقلال الدولة،تتطلب بذلك نقاشاً و إلتزاماً من ممثلي الشعب المغربي،أي البرلمان،أو أنها ترتبط بمسائل مالية،و هي كما نعرف من إختصاص البرلمان الذي يتولى الموافقة على القانون المالي للدولة،أو متعلقة بمجال حقوق الإنسان،و هي تدخل كذلك ضمن الإختصاص البرلماني كما نص على ذلك الفصل (71) الذي حدد مجالات التشريع التي يختص بها البرلمان و في طليعتها الحقوق و الحريات الأساسية المنصوص عليها في التصدير،و في فصول أخرى من الدستور.
أكثر من ذلك،فقد منح الدستور للملك إمكانية توسيع هذا الوعاء إذا إقتضى رأيه إشراك البرلمان في إعطاء الإذن بالنسبة للمعاهدات أو إتفاقيات لا تدخل ضمن المقتضيات،و يعني هذا المقتضى رغبة المشرع الدستوري في فتح مزيد من الأفاق في وجه المشرع العادي للإنخراط أكثر في الإلتزامات الإتفاقية للدولة - لكن هذا التوسيع لتدخل البرلمان في المجال الإتفاقي له حدوده،فمن المعروف،أن مسطرة إبرام المعاهدات و الإتفاقيات هي بالدرجة الأولى من إختصاص السلطة التنفيذية،و لا يتم تدخل السلطة التشريعية إلا في لحظة الإذن بالمصادقة،مما يعني أن السلطة التنفيذية هي التي تقود المفاوضات، و تقرير بداية إلتزام الدولة من خلال مسطرة التوقيع،و من ثم،فإن هامش البرلمان يبقى ضيقاً حيث لا يمكن له أن يقترح تعديلات لكون الأمر يتعلق بتصريف متفاوض عليه،و بالتالي فهو في غالب الأحيان مدعو إلى إعطاء الإذن أو رفضه،أكثر من ذلك،فإن سلطة المصادقة تبقى حرة في أن تفعل هذا الإذن أو لا تفعله،بل أكثر من ذلك يمكن أن تمارس المصادقة مع إبراز تحفظات لاحقة على إذن البرلمان،فعلى هذا الصعيد لا يمكن لتدخل البرلمان أن يكون منتجاً إلا إذا تم إشراكه في جميع مراحل مسطرة إبرام المعاهدة،و هو أمر ليس سهلاً،فضلاً عن ذلك،فإن تخصيب الدور البرلماني في هذا المجال يتطلب من البرلمان التوفر على الدعامات الضرورية لفحص المعاهدة موضوع الإذن بالتصديق،في أبعادها و تعقداتها المختلفة،و هو ما يفترض ثقافة برلمانية مغايرة للتعامل بمهنية مع هذا المقتضى الجديد سواء على مستوى اللجن المكلفة بقطاع ما،أو على مستوى البرلمان برمته،فالأمر لا ينبغي أن يبقى مقتصرا على قانون الإذن،بل بات من الضروري الإنكباب بالعمق اللازم على دراسة حيثيات المعاهدة أو الإتفاقية،و معرفة مدى تواؤمها مع الدستور الذي يعتبر أعلى مرجع قانوني في البلاد.


ب - المحور الثاني.
كرس الدستور الحالي (2011) بشكل واضح سمو الإتفاقيات الدولية على التشريعات الوطنية،فقد تم التنصيص في التصدير الذي يعتبر جزءا من الدستور على جعل الإتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب،و في نطاق أحكام الدستور و قوانينه و هويته الوطنية تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية و العمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة.
ففي الواقع،فإن هذا المقتضى يطرح مجموعة من الإشكالات التي ينبغي أن نقف عندها،فمن جهة أولى : فقد شكل تقدما واضحا بالمقارنة مع دستور (1996) الذي بقي شحيحا و متسما بالغموض فيما يتعلق بمركز المعاهدات في الهرمية القانونية المغربية،فهو يكرس مسلسل إنخراط المغرب في هذه الحركية الحقوقية العالمية التي تسعى إلى إدماج القانون الدولي في صلب القانون الداخلي.
من جهة ثانية،فقد ظل المشرع الدستوري حذرا،فالسمو ليس مطلقا،فهو لا ينصب إلا على الإتفاقيات التي تتوفر على شرطين : المصادقة عليها من طرف المغرب إرتكازا على المسطرة التي أشار إليها الدستور نفسه،و التي تعطي للملك هذا الإختصاص بإستثناء تلك التي تتطلب إذن البرلمان،ثانياً : النشر في الجريدة الرسمية،و يعني ذلك أن الدولة لا تلتزم إلا بالمعاهدات التي قبلت الخضوع بمحض إرادتها لمقتضياتها..و قد تقرن المصادقة بتحفظات إذا كانت المعاهدة نفسها تسمح بذلك.
من جهة ثالثة،فإن هذا السمو يوحي و كأنه لا ينطبق إلا على شكل من الإلتزامات التي تتم في شكل معاهدات و تفرض مسطرة التصديق،مما يعني إخراج نوع أخر من الإلتزامات من هذه الدائرة،و يتعلق الأمر بمجموع الإلتزامات التي لا تخضع لمسطرة المصادقة لكونها تنتمي إلى مجموع الإتفاقيات التي تتم بصيغة مبسطة accords en forme simplifiee و من تم يطرح السؤال عن مركزية هذا النوع من الإلتزامات فيما يتعلق بالهرمية القانونية للمغرب،علما أن إتفاقية فيينا المتعلقة بالمعاهدات لسنة 1969 لم تقر أي تمييز بين هذه الأنواع من الإلتزامات الدولية.
على مستوى أخر،فإن هناك نوعا من التقييد الذي أحدث نوعا من الغموض و لم يكن ضروريا،و هو القاضي بأن هذا السمو ينبغي أن يتم في نطاق الهوية الوطنية الراسخة،فهذه صيغة مبهمة قد تفتح المجال أمام تأويلات تضعف من قوة هذا المقتضى،ففي إعتقادنا كان من المستحسن الإكتفاء بأحكام الدستور باعتباره المرجع القانوني الأعلى،و المحدد للهوية المغربية.


ج - المحور الثالث.
و أخيراً يكمن المحور الثالث في كون الدستور الحالي قد وضع حداً للغموض الذي كان قائما فيما يتعلق بالجهة الموكول إليها الحسم في المعاهدات،التي قد تثير جدلا فيما يتعلق بتلاؤمها مع الدستور،لقد ظلت الدساتير السابقة تشير إلى أنه في حالة وقوع تعارض بين مقتضى في إلتزام دولي و الدستور يتم الحسم فيه بنفس أشكال مراجعة الدستور،فقد وضع الدستور الجديد حدا لهذا الغموض عندما منح المحكمة الدستورية (لا زالت لم تنشأ بعد) صلاحية الحسم في مقتضى دستوري إذا ما كان يخالف الدستور أم لا،و ذلك على إثر إحالة من طرف الملك أو رئيس الحكومة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو سدس المجلس الأول أو ربع المجلس الثاني،فإذا صرحت أنه غير دستوري،فلا بد من مراجعة الدستور حتى يتسنى إدماج هذه الإتفاقية في النظام القانوني المغربي.
إلى جانب هذا التوضيح المتعلق بالجهة المختصة بالحسم في التعارض المحتمل بين الدستور و الإتفاقيات الدولية،هناك توضيح أخر يتمثل في كون الهرمية الدستورية باتت متسمة بنوع من الوضوح،فالدستور هو أعلى مرجع قانوني،و لا يمكن للقانون الدولي أن يستنبت في الفضاء القانوني الداخلي إلا إذا كان متلائما مع الدستور،فعلى خلاف ما يردد البعض،فإن المعاهدات تأتي بعد الدستور و القانون التنظيمي،لكنها تسمو على القانون العادي.
على هذا المستوى،فإن المحكمة الدستورية التي ستعوض المجلس الدستوري بمجرد تنصيب أعضائها لم تعد مقتصرة كما كان الشأن سابقا على البعد الداخلي،بل أصبحت أداة من أدوات التدبير القانوني للنشاط الخارجي للمغرب،و هذا يتطلب كذلك ضرورة توفير موارد قادرة على استضمار و استحضار هذا البعد الذي يندرج كما أشرنا ضمن الدينامية التي تعرفها علاقة بلادنا بالمجال الخارجي.
أكثر من ذلك،فقد وسع المشرع الدستوري من إختصاص المحكمة الدستورية،عندما مكنها حسب الفصل (133) من النظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون أثير أثناء النظر في قضية ما،و ذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون الذي سيطبق في النزاعات يمس بالحقوق و الحريات التي يضمنها الدستور.
و تكمن أهمية هذا المقتضى في الإقرار الضمني أنه بالرغم من المراقبة الدستورية للقوانين،فإنه من الممكن أن تصدر قوانين تكون بعض مقتضياتها غير دستورية،و ذلك لكون الأطراف التي لها إختصاص الإحالة إلى المحكمة الدستورية (المجلس الدستوري سابقا) لم تقم بذلك،فضلاً عن ذلك،فإن هذا المقتضى ينخرط في ثقافة الملاءمة عبر القضاء الدستوري،و قد يطرح أمام المحكمة الدستورية إشكالية معرفة ما إذا كانت مختصة في النظر في مواءمة قانون ما لمقتضيات معاهدة أو إتفاقية مصادق عليها من طرف المغرب هو أمر قد يضع إجتهاد المحكمة أمام المحك،و يتطلب الأمر التسريع بإصدار القانون التنظيمي الذي ينظم هذه العملية التي قد لا تخلو من تعقيدات،و لكنها في العمق ترمي إلى ترسيخ الحقوق و الحريات التي تشكل عماد دولة القانون.
صفوة القول،أن دستور (2011) مثل تقدما واضحا فيما يتعلق بضبط العلاقة بين القانون الداخلي و القانون الدولي،رغم أنه لم يحسم في جميع القضايا الإشكالية،لكن من الواضح أن الأليات التي قررها ستمكن من التصدي لعدد من الإشكالات إذا تمكن المتدخلون في المجال السياسي و الحقوقي و المدني،من طرح تلك المقتضيات تحت مجهر الإجتهاد الدستوري الذي من المؤمل أن تلعب المحكمة الدستورية ضمنه دورا مهما خصوصاً في حل إشكالية "حرية المعتقد".محمد سعيد : عضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات و الأبحاث الإنسانية.


* محمد سعيد: عضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات و الأبحاث الإنسانية 

المشاركة

0 commentaires: