الاثنين، 31 أكتوبر 2016

محمد سعيد يكتب: النخب المغربية و حرية المعتقد

محمد سعيد

محمد سعيد - مجلة أقليات 

من علامات الإفلاس الديني و الفكري لدى النخب المغربية،أن يتًخذ المرء التجريد أسلوبا للحديث عن "حرية المعتقد"،و الكلام في كل شيء ولاشيء في نفس الوقت،فهؤلاء هم المخنتون ثقافياً،و الذين لن تراهم إلا في الجامعات يدرون التفكير اللامنطقي أمام طلبتهم،الذين أصيبوا بسبات عميق كأصحاب السبعة مع كلبهم،الذين سبتوا 322 سنة حسب الروايات الأسطورية التي قرئناها منذ الصغر،فالتجريد هو هروب من مقارعة الحجة بالحجة إلى التقنع بقنًاع الباطل الذي لا يعترف بالحجج أصلاً،فلا بديل عن العقلانية سوى الغباء و التجريد الذي يخاف ملامسة موضوع "حرية المعتقد" الذي يفضح عورة هؤلاء المثقفين المخنتين.
فقد سبق لعبد الله العروي في معرض إنتقاذه للنخب الفكرية المغربية و العربية خلال مرحلة السبعينات من القرن الماضي،أن وصف ميل النخب إلى الإقتباس العشوائي من الغرب بوصف لاذع،هو "حرية العبيد"،فهي تعتقد أنها تتمتع بالحرية الفكرية اللازمة لإعادة النظر في مجموعة من القوالب الجاهزة،لكنها لا تجد بديلاً عما يقدمه لها الفكر الأوربي،فهي حرة في الإختيار لكنه إختيار مشروط بالفكر الأوربي،حرية الإعتقاد و الضمير لا تقبل بهذه المعادلة،فعدو حرية الإعتقاد هو التماهي بمخرجاتها كما يتصورها الغرب،ف"حرية الإعتقاد" مكون إنساني غير قابل للتوصيف الجغرافي هنا و هناك،بل هي قناعة إنسانية يجب أن تعاش في الوطن العربي و المغاربي،فالإعتقاد الشائع لدى جزء من النخبة التي تتطرق إلى "حرية الضمير"،مثل الأستاذ هشام صالح الذي قال :"أن مفكري عصر الأنوار الذين دافعوا عن حرية الإعتقاد كانوا غير متدينيين أو ملاحدة"،و هذا غير صحيح إلا بالنسبة لعدد قليل جداً منهم،فهؤلاء لم يحاربوا الدين و لكنهم حاربوا التزمت بإسم الكاثوليكية،لأنها كانت رمز الإستعباد و دين السلطة،و كبار المفكرين الذين درسوا الدين كانوا من البروتستانت،لأن البروتستانتية كانت مذهبا تنويريا من داخل المسيحية في زمانها،فعندما كتب "ماكس فيبر" كتابه الشهير عن علاقة البروتستانتية بالرأسمالية،فهو لم يفعل شيئاً سوى أنه قال بأن الدين محرك للتاريخ و الإقتصاد،لأنه كان بروتستانتيا متدينا،و كان يريد نصرة مذهبه،و يستقيم مع هذا الكلام الخلط الذي نجده عند الإسلاميين و غيرهم،و هو أن العلمانية شقيقة الكفر،بينما كانت أداة إجرائية ضرورية لنزع القداسة الدينية عن السلطة،أو قل أنها كانت كفرا بدين السلطة لا كفرا بالدين إجمالاً،فيجب أن تكون هناك حرية في إعتناق الإسلام أو المسيحية كما يقول المونسنيور فؤاد طوال (1)،فدخول الدولة على خط تأمين الأمن الروحي بالمغرب،مثلاً،أمر خطير جداً،فالدين يبقى مسألة شخصية لا تهم الديمقراطية المدنية بشيء،إن النخب المغربية يُعميها عُصاب رفض الإختلاف و تمجيد الواحد في جميع المجالات.
النخب عندنا يعيدون إنتاج المشهد الهستيري ضد من يخالفونهم،و الحق إنك إذا أردت أن تعرف هؤلاء،فعليك أن تركز لا على المفردات التي يستعملونها،بل على الرنة التي يقال بها خطابهم أو يصاغ بها،و في حالتنا،لن يشكك أحد بأنها رنة عُصابية تكشف الكثير من حقيقة هؤلاء أكثر مما تكشف عن مواقف فكرية و سياسية مفترضة و مزعومة،فإذا كنت تؤمن بما لا تؤمن به هذه "الأنتلجنسياً" من الناس،فلا ترى فيهم غير الجدبة الغير واعية نحوك و نحو معتقداتك الخاصة،فقد يخرج أحدهم عن حدود اللياقة في مخاطبتك،فينعتك بالتافه،و بأكثر من التافه..و قد يصفك بعضهم بعميل الغرب لأنك تنهل منه بعض أطروحاتك حول "حرية المعتقد"،و يمكن أن يعبروا عن رفضهم لأفكارك و تنظيراتك حولها بالصراخ الهيستيري الممكن بكل قوة في اللقاءات و المنتديات الفكرية تعبيراً عن رفضهم و شجبهم و عن عزمهم التصدي لك بكل الحزم الممكن.
فعلى ماذا تدل مثل هذه الردود الهستيرية المثيرة للشفقة ؟
أولاً : تدل في البدء على أننا أمام نخبة من الناس ميؤوس من شفائها من داء عضال هو خليط من العنتريات و الديماغوجية،إذ لا يستطيع أمثال هؤلاء أن يناقشوك بهدوء في كل الأحوال،بل يحملون في دواخلهم عقلية العربان من المحيط إلى الخليج و أصحاب الجنجويد.
ثانياً : يدل هذا على أن المثقفين عندنا يتعاملون مع ما هو فكري بالطريقة نفسها التي يتعاملون بها مع القضايا السياسية،طريقة تغلب عليها المزاجية و التسرع و أسلوب الغارات الكلامية و الإصطفافات البئيسة و المحافظة.
ثالثاً : إن هؤلاء الكسالى الذهنيون من النخبة المغربية،يتحاملون عليك قبلياً و يشككون في مسعاك بتبخيس إديولوجي لمقترحاتك الثقافية و الفكرية،و تخوين لشخصك،فلا فكرة هادئة و رصينة لها القدرة المعجمية و التداولية على دحظ ما تؤمن به في حوارك مع هؤلاء،فلا إستشهادات لهم بدراسات لدحض معتقداتك و أفكارك و لا شيء من كل هذا،بل الطريق السهل كما قلنا،طريق السباب و سلوك الشتيمة،فلا ينته هؤلاء أنهم حينما يجترحونك و كما قال بحق "شوبنهاور"،يَبدُون للناظر كالمتعري أمام الملأ..بشع،مقرف و مثير للشفقة.
إن الإسلاميين،مثلاً،إذا ما ناقشتهم في تأصيلاتهم الدينية حول مفهوم "حرية المعتقد" من داخل تراتهم الديني،لا يكتفون بالسباب السهل الذي ينم عن عُصاب متأصل في سلوك قبيلتهم الإيديولوجية،بل يضيفون ما تيسر من لغة حربية معهودة في إخوانهم كلهم،و هذا ما لاحظناه خلال صياغة دستور (2011) لما تكلمت بعض الأطراف على أن فقرة "حرية المعتقد" لن تمر و لو على جتثتنا..و حتى نتأكد من أسطوانة الجثت هذه،يُخرجها الإسلاميون كلما أعوزتهم الحجة العلمية الهادئة،تذكروا معي أنهم هددوا بها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إن إعتمد الحرف اللاتيني في كتابة الأمازيغية إبًَان ما عرف حينها بمعركة الحرف،فالجثث المنثورة و النزول إلى الشارع هي الفزاعة التي يُطلقونها كلما أعوزهم حل مقنع في مجال من المجالات على طريقة صعاليك و فتوات الحارات بمصر الشقيقة..و غفلوا أنها كانت فزًاعة بالأمس،أما اليوم،و بعد أن إستهلكهم الحكم،فقد صارت نكتة للتنذر ليس إلا !


المشاركة

0 commentaires: