الخميس، 27 أكتوبر 2016

محمد سعيد يكتب: حرية الإعتقاد: بداية الجدل الدستوري المغربي

محمد سعيد

محمد سعيد - مجلة أقليات

من المعروف أن أول دستور مغربي بعد الإستعمار الفرنسي،أشرف عليه أستاذ الحقوق و العلوم السياسية الفرنسي "موريس دوفيرجي" بطلب من الملك الحسن الثاني،سنة (1962)،و ليس فيه إشارة واحدة لحقوق الإنسان (مع العلم أن موريس دوفيرجي أستاذ للحقوق)،حتى أتى دستور (1992) و أضاف هذه الجملة إلى مسودته،دون أن ترسخ على أرض الواقع،لكن "حرية الإعتقاد" كحق من حقوق الإنسان كانت مدرجة بالمسودة الأولى لدستور (2011) فتم حدفها بضغط من حركة التوحيد و الإصلاح الدراع الدعوية و الخفية لحزب العدالة و التنمية الإسلامي و بعض الأطراف المحافظة،بشهادة الدكتور محمد الطوزي عضو اللجنة الملكية لصياغة دستور 2011 ،و الذي كان حاظرا للورشة التي كنا من مؤطريها حول "حرية الإعتقاد" يوم السبت (29 نوفمبر 2014) بالمؤتمر الدولي لحقوق الإنسان الذي أقيم بمراكش (27 - 30 نوفمبر)،و هذا ما أكدناه في مداخلتنا مما حدى بأحد أعضاء هاته الحركة أن يجن جنونه،محاولاً إرباك هاته الورشة الموضوعاتية الجريئة بشهادة الحضور و الصحافة الورقية و الإلكترونية الوطنية و الدولية،فإذا كان التوحش هو أعلى درجات الرأسمالية،فإن "التدعيش" هو أعلى مراتب الإسلام السياسي،و هذا ما إنزلقت فيه هاته الحركة ممتلة في أحد أعضائها بالمكتب التنفيذي (محمد الهيلالي)،الذي حاول من خلال تعقيبه أن يخلق تهويش وتشويش بالقاعة التي إحتضنت عنواننا الموضوعاتي حول "حرية الإعتقاد"،فقد كان لهاته الحركة مشروع لأسلمة الدولة و المجتمع خلال تسعينات القرن الماضي،لكن مشروعها خفت إلى أبعد مدى،ليس أقله أن أجبرت هاته الحركة في مؤتمرها الأخيرعلى تغيير شعار "ترشيد التدين" بشعار "التعاون على ترشيد التدين"،و في الإنتقال من هذا الشعار إلى ذاك كثير من دلالات المراجعة في الإيديولوجيا و العقيدة،لقد إكتشفت أن هناك أشخاصا يتابعون ما تنتجه الحركة الحقوقية بدقة متناهية،و يتمنون أن لا نتطرق إلى مثل هاته الطابوهات المستترة بقيود السلطة السياسية،و من هنا فإنني يجب أن أعتذر للصف السياسي الإسلامي لأنني حرمتهم من السعادة الغامرة التي كانوا سيحسون بها لو كانت مداخلتي مجرد لبانة يتم تكرارها في مثل هاته الملتقيات النادرة،...لكن المشكلة هي أن تلك الشهادة المختصرة هي أنا،و هؤلاء الذين يدينون بما أدينه..هذا هو الفجر الذي لا يستطيع إلا أن يُشرق ! أغبياء هؤلاء الإسلاميون المؤدلجون لذلك هم يرتعدون غيظا من "حرية الإعتقاد"،فحرية الإعتقاد هي إبداعنا و ذكاء عبقري و جميل سنحاول أن ندافع عنه بمرافعتنا و بالعلم،و ليس بالبعبعة الإسلامية على حد تعبير المفكر المغربي حسن أوريد،التي تمارسها الحركات الإسلامية،فإماننا إيمان أصيل غلب الزمان و أهله و غلبهم أجمعين،إن مداخلتنا لم تكن مداخلة عادية لأن في تناياها العلم في مهابته الأصلية..هذه هي الرعشة الوجودية التي يجب أن نستثيرها في ركن من أركان أحزابنا و جمعياتنا و منظماتنا الوطنية،فالهوية التي نحاول أن ندافع عنها هي الهوية المنفتحة التي تقبل الإختلاف و تؤسس له،،فنحن ضد الهوية حسب السوسيولوجي الفرنسي "بيير بورديو" التي تنتجها الدولة،إذ هي مكان إنتاج "الهويات المشروعة" التي تعمل على تبرير إجراءات القبول و الإدماج أو الإبعاد و الإقصاء،الدولة هي مكان صنع ما هو "شعبي" و ما هو "رسمي"،فالدولة إذن،هي المسؤولة الأولى تجاه مواطنيها المسيحيين و أصحاب المعتقدات الأخرى،فهي صاحبة القرار في مساوقة تشريعاتها من أجل حصول المسيحيين المغاربة على بناء كنائسهم الخاصة بهم و تسمية أبنائهم،و توثيق زيجاتهم بما يتوافق و معتقداتهم و إيمانهم المسيحي،فالدستور قانون سياسي عام و ليس تفصيل هوياتي ديني أو فكري،لدى نطالب بتغيير الدستور الذي لا يعترف ب"حرية المعتقد" و التي تعتبر مدخلاً لممارسة كل الأطياف الدينية لطقوسها الروحية و اللوترجية،فالإيمان هو نوع من التجربة الشخصية و من الأمور الخاصة بالفرد،و لا حق للدولة كنظام سياسي أن تراقب أو تتجسس على مواطنيها بسبب معتقداتهم الخاصة،فهذا الإيمان أيضاً هو تجربة روحية أو فكرية ذاتية تتخد أشكالاً موضوعية عندما تتحول إلى عقيدة و سلوك و نظام،و بما أنه تجربة شخصية ذاتية،،فهو من الأمور التي لا تفرض مضمونها على أفهام الناس و أفئدتهم فرضاً..فموضوع المسيحية بالمغرب،هو موضوع شائك و يحتاج إلى مهارة خاصة من أجل الخروج من المطبات التي يطرحها بأقل خسارة ممكنة،و دليلنا على ذلك أنه ليس أرضا غير مطروقة،إذ كلما أثاره باحث أو تطرق إليه طالب يدرك أنه يمشي في حقل ألغام هائج تصنعه توترات الصراع بين "العقل" و التلعق الشامل بالمقدس الديني،ذلك أن أي "شبهة" حياد ديني عادة ما يترجمها الغلاة إلى مس و إنتهاك للإنتماء الديني،و هو ما يطرح إشكالات أخرى ترتبط ب"التكفير" و "الإرتداد" و "إهدار الدم" و "المحاكمات".
فأن تمارس طقوسك الروحية بكل حرية فهذا مكسب للمجتمع الديمقراطي و الحداثي،فالحرية تعني أن الدستور يكفل للمواطنات و المواطنيين خمس حريات شخصية،يستطيع أن يعدها على أصابعه الخمس،و هي كالتالي : حرية الكسب،و حرية العقيدة،و حرية الإعلان،و حرية التجمع،و حرية القضاء،فقد دافع المجتمع المدني عن حرية المواطنيين و المواطنات في ممارسة الشأن العام،لكنه لم يدافع عن الحريات في المجال العام،و "حرية الإعتقاد" هي من المجال العام التي يجب أن تتوجه لها الأحزاب السياسية أيضاً لتفعيلها،و عدم حصر أحلامها السياسية في تدبير اليومي (ما يسمونه بالشأن العام)،إننا نريد حزبا يعيد الحلم الحضاري و الثقافي للمغرب،حزباً يأخد على عاتقه ترسيخ قيم الإختلاف،و يسعى إلى الحداثة المرجوة عند المجتمع المغربي،حداثة تفضح الشر و الكذب الإيديولوجي الممخزن و تحارب ما يسميه بن خلدون ب"دين الإنقياد"،فالدين ليس عقيدة رسمية للدولة و لن يكون مهما حاول الفقهاء الدستوريين التقليدانيين أن يقولوا ذلك،بل سؤال الدين هو فضول فكري يتعلق بصاحبه،فالدستور كما قلنا عقيدة مدنية الحريات فيه مكتسبات و "حرية الإعتقاد" من ضمن هاته المكتسبات التي يجب على الدولة أن ترسخها بل أن تدافع عنها،بذلك تترجم ذكائها الإنساني الذي لا يحتاج إلى أصباغ كاذبة من خلال مجتمعها المدني و السياسي،فالفصل 156 من الدستور يؤكد على ملاحظات و اقتراحات من طرف المواطنيين و المواطنات،و نحن هنا إذ نؤكد على مطالبتنا من أجل تغيير الدستور،و دمج "حرية الإعتقاد" التي تم حدفها من المسودة الأولى لدستور (2011) بشهادة رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان إدريس اليازمي،و من طرف أحد أعضاء اللجنة الملكية لصياغة الدستور (الدكتور محمد الطوزي) في تصريحاته إبان المصادقة على هذا الدستور.
إن المجتمع المغربي له عجز تربوي لإحترام القانون و احترام حرية الضمير و الإعتقاد،و عدم تكريس ثقافة الحوار التي تأصل لهذا الحق الكوني،فنحن اليوم نحتاج ثورة في الحرية و الديمقراطية التشاركية،فإجلال حقوق الإنسان كما تقول الكاتبة الفرنسية "فالانتين زوبر" في كتابها و الذي يحمل نفس العنوان (إجلال حقوق الإنسان = 2014) :"هو كامن في احترام خياراتنا الدينية و الفكرية و من ضمنها حرية الإعتقاد"،و بهذه المناسبة نطالب كما طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان سنة (2009) برفع مكانة حقوق الإنسان ببلادنا و جعل (10 دجنبر) اليوم العالمي لحقوق الإنسان يوم عيد وطني و عطلة مؤدى عنها،بهذا نرسخ للخطاب الملكي بمناسبة المسيرة الخضراء (2014) "أن الخيار الديمقراطي لا رجعة فيه"،و إذ نتمن ما جاء في الحوار الذي أجراه مركز مدى للدراسات و الأبحاث الإنسانية مع أحد رموز اليسار السياسي "محمد الساسي" الذي قال :"يجب إعطاء حرية الإعتقاد مكانتها في الدستور المغربي و أن تكون من ضمن أولويات الصف الحداثي و الديمقراطي..." (1). فما هي الرسالة التي يريد أن يعبر عنها بعض المنافحين عن "حرية الإعتقاد" ؟
يريد المنافحين عن حرية الإعتقاد أن يوجهوا رسالة بسيطة كإبتسامة طفل من أطفال المغرب،رسالة كزغرودة عذراء،و الرسالة تقول : يقول ناموس من نواميسكم الذي تسمونه دستورا "أن دين الدولة هو الإسلام"،و قد تكررت هذه الجملة ستة مرات،و بأن الإسلام هو المكون الأصيل لهوية المغرب..و بأن الحريات مكفولة دستوريا..كلا كلا،هذا مجرد هراء،لقد مرًت خمس سنوات على ناموس نواميسكم،و لا زالت "حرية الإعتقاد" معلقة..لذلك سنفضحكم لعل فضحنا إياكم يُحي ما قتله عرًابو الفقه الدستوري المؤدلج ببلادنا ! فقد كشف القيادي في حزب الأصالة و المعاصرة إلياس العماري،أن قيادات بحزب العدالة و التنمية،هددت بالنزول للشارع إذا تضمن دستور الفاتح من يوليوز (2011) "حرية الإعتقاد" بدباجته و ذلك في الأيام القليلة التي سبقت لإعلانه و عرض مقتضياته للتصويت الشعبي،و في الإتجاه نفسه ذهب إدريس اليزمي رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان و عضو اللجنة الإستشارية لمراجعة الدستور،عندما كشف أن "حرية المعتقد" كانت حاضرة في المسودة الأولى للدستور المغربي،و أنها أشعلت نقاشا طويلا داخل اللجنة الإستشارية قبل أن تنتهي بغلبة أصحاب التوجهات المحافظة و تمت إزالتها على مستوى الألية السياسية التي كان يرأسها المستشار الملكي الراحل محمد معتصم،و أكد اليازمي في لقاء بالمركز العلمي العربي للأبحاث و الدراسات الإنسانية بالرباط أن الحرب على "حرية المعتقد" دامت أكثر من ثلاثة أسابيع وصلت حد تهديد الجبهة الرافضة باستعمال الشارع،في حين لم يكن بمقدور المطالبين بها القدرة على التعبئة لترسيخها بالوثيقة الدستورية.

المشاركة

0 commentaires: