الأحد، 16 أكتوبر 2016

كونية حرية المعتقد و الإشكالية الدستورية

أرشيف

محمد سعيد - مجلة أقليات 

لا شك أن إحتضان المملكة المغربية للمنتدى العالمي لحقوق الإنسان (مراكش 27 / 28 / 29 / 30)،كان فرصة لقياس ملائمة ما صودق عليه من طرف الحكومات المتعاقبة في مجال حقوق الإنسان،و قراءة ذلك على الواقع المعاش،من الناحية القانونية و الدستورية،فإحتضان المغرب للمنتدى العالمي شكل في حد ذاته إقراراً من الجماعة الحقوقية الدولية بالخطوات التي قطعها المغرب على درب الإصلاح في أفق تحقيق دولة الحق و القانون و المؤسسات كما أشار لذلك دستور (2011)،الذي جاء في سياق الإنتفاضات من تونس و مصر و ليبيا و اليمن و سوريا..و فضلاً عن ذلك،فقد أعادت الرسالة الملكية الموجهة للمنتدى طرح إشكالية في غاية الأهمية تكمن في نوعية المقاربة التي تسمح بإعطاء الكونية مضموناً حقيقياً يعبر عن إسهام كافة الشعوب في بلورتها و تطويرها،و هكذا في الوقت الذي أكدت الرسالة الملكية على كونية حقوق الإنسان،و هو أمر لم يعد من الممكن التشكيك فيه،فإنها إعتبرت أن هذه الكونية لا ينبغي أن تظل مجرد تعبير عن نمط مهيمن أو فكر وحيد،بل يجب أن تكون في جوهرها نتاجا لدينامية إنخراط تدريجي جماعي،يتطلب إسهاما أوسع لبلدان الجنوب،بمعنى أخر لا يمكن لهذه الكتلة أن تبقى مجرد موضوع للقانون الدولي لحقوق الإنسان،بل من الضروري أن تتحول إلى ذات منتجة للمعايير الدولية لهذا القانون.
في العمق تحيل هذه الدعوة إلى ترسيخ قيم حقوق الإنسان بالدساتير الوطنية،و تشير إلى ظاهرة التطور القانوني الدستوري،و هو ما يمكن وصفه بتدويل الدساتير،أو ما أصطلح عليه عند الفقهاء الدستوريين ب"القانون الدستوري الدولي"،و هذه الظاهرة المتنامية هي ناجمة عن تطور قانون حقوق الإنسان،و من ظمنها قانون الحريات الفردية،الذي تدخل"حرية المعتقد" من بين ركائزه،و قد أشارت الأستاذة مارتي دلماس marty delmas و هي من أبرز أساتذة القانون الدولي،إلى أن التدويل لا يعني فئة قانونية معينة،و إنما يتعلق الأمر في العمق بصيرورة و دينامية تعبر عن تلاقح الأنظمة القانونية بهدف تقليص الحدود بين ما هو داخلي و ما هو خارجي.
لذلك،فإن إنخراط المغرب في النظام المعياري الدولي الذي يجسده القانون الدولي بكل مكوناته،يعني في العمق إختيار المغرب التفاعل مع هذا الزخم الدولي،لكن لا ينبغي أن يبقى الأمر على مستوى الإستهلاك أو النقاش المتعلق بإدماج القانون الدولي في المنظومة القانونية الداخلية،أو ما يطرح مسألة الملاءمة بين التشريع الوطني و النظام المعياري الدولي،بل إن المغرب مدعوا اليوم إلى استثمار تراكمه و تجاربه للمساهمة في تملك و إنتاج المعايير الدولية بمعية أقطار أخرى تشاطره نفس الهواجس،إذ يجب على الفاعلين ألا يناقشوا معطى حرية المعتقد كشكل من أشكال القصص،على شكل قصة "أكلة البطاطس"،و التي ترتكز على القول،"قال لي و قلت له.."،معطى حرية المعتقد لا يناقش،بل يدفع به إلى الترسيم الدستوري،ففي خطاب الملك محمد السادس (17 يونيو 2011)،قال :"فمن حيث المنهجية،حرصنا،و لأول مرة في تاريخ بلادنا،على أن يكون الدستور من صنع المغاربة،و لأجل جميع المغاربة.." - فهل الدستور المغربي هو للمسيحيين و الشيعة و اللادينين المغاربة كما لباقي المغاربة ؟ هل صياغته أخدت بعين الإعتبار الإتفاقيات الحقوقية التي صادق عليها المغرب ؟ و أخيرا - هل الدستور المغربي أخد في إعتباره الموائمة القانونية الكونية لحقوق الإنسان ؟
تتمثل الدعامة الأولى للدستور المغربي،في التشبت بالتوابث الراسخة،فما هي التوابث الراسخة ؟
هل هي الديمقراطية والحرية ؟ أم ماذا ؟
لا غروا أن مصطلح التوابث الراسخة،مصطلح غامض و ملغوم،يلوكه أصحاب القرار في كل ورطة سياسية أو حقوقية،لما يهدد إنتضامهم المبني على الهوس الهوياتي كما يقول المسنشار الملكي السابق حسن أوريد.
فالتشريع،مثلاً،يبقى إخنتصاصاً حصرياً للبرلمان،لكننا لم نرى من هذه المؤسسة التي بها 395 برلمانيا،تنص و تبث في قانون تنظيمي واحد حول الحرية الفردية و من ضمنها "حرية المعتقد".
محمد سعيد : عضو المكتب التنفيذي لمركز الدراسات و الأبحاث الإنسانية.

المشاركة

0 commentaires: